الثلاثاء، 29 يناير 2013

خطورة التّأرجح فى النّظام السياسى فى مسودّة الدّستور التّونسى


من البديهى أنّ أهمّ عنصر يحدّد ملامح الدّولة هو اختيار النّظام السّياسى الذى يشكّل العصب الرّئيسى فى تحقيق الأهداف السّامية العليا للدولة كالعدالة و التّوازن بين السّلط وانسيابيّة القرارات و عدم تنازع السّلطات و ضمانات استقلال القظاء .
بالتّمحّص فى مشروع مسودّة الدستور التونسى يتبيّن لنا أنّ المشروع يتّسم بالتّذبذب فهو تارة يميل إلى النّظام البرلمانى المعدّل وتارة إلى النّظام الرّئاسى المعدّل و يستشفّ ذلك من الأبواب المتعلّقة بالسلطة التّشريعيّة و التنفيذيّة و الواضح أنّ هذه الخربشات لا تنطلق من استراتيجيّة منهجيّة بحيث يكون هناك إتّفاق مبدئى على نوعيّة النّظام المراد تركيزه       
فالصياغات المكتوبة تتماهى فى العديد من الجوانب بترجمة التوازنات السياسية الحاليّة و لا تستشرف منهاج تنبثق عنه آليّات عمليّة.
دون الخوض فى تفاصيل الفصول فبالإمكان الذّهاب مباشرة إلى صلب الإشكاليّة المطروحة و هى أنّ جميع الأفرقاء يتّفقون على ضرورة أن يتحقّق توازن فى السّلطة التنفيديّة بين صلوحيّات الرّئيس و رئيس الحكومة و تميل حركة النّهظة لتوسيع صلاحيّات هذا الأخير فى حين تميل الأطراف الأخرى للرّئيس و مردّ ذلك هو حسابات انتخابيّة ليس المجال للخوض فيها, وصياغة الدّستور تتأرجح طورا فى هذا الإتّجاه وطورا فى الإتّجاه المعاكس.وغاب عن المشرّعين أنّ الدّساتير تصاغ بخلفيّة ضمان وظيفيّة الصّلوحيّات فى نظام متكامل و أوجه القصور والضعف يمكن تلخيصه فى النّقاط التّالية.
1/وزارة الخارجيّة : يعطى الدستور للرّئيس قيادة القوّات المسلّحة و التمثيل الخارجى للدّولة مع تعيين الكوادر العليا لتمثيليّاتنا بالخارج و لا يعطيه التّصرّف الكلّى فى وزارة الخارجيّة فهو لا يعيّن الوزير بما يبقى لرئيس الحكومة التّصرّف فى هذا الجانب ممّا ينجرّ عنه تضارب غير مقبول على شاكلة ما يقع حاليّا فملفّ وزارة الخارجيّة ليس قابل 
للتّقسيم و هو لزمة واحدة ولا ينفع التنصيص على مبدأ التّشاور .
2/ اشراف الرّئيس على اجتماعات مجلس الوزراء أو رئيس الحكومة يتحدّد بحسب جدول الأعمال ممّا يفتح المجال لتنازع علنى واضطراب وهو أمر عديم الجدوى و مضرّ بهيبة الدولة و تماسكها على شاكلة مايحدث فى لبنان.
3/التّنازع بين صلوحيّات الرّئيس و رئيس الحكومة تحال على المحكمة الدّستوريّة من الطّرف الأكثر حرصا ممّا سيؤدّى حتما إلى بروز سلطة الأمر المقضى علما بأنّ الأحكام الدستوريّة قد تستغرق سنوات.
4/ تتأرجح الإقتراحات بين إعطاء صلوحيّة تسمية الوظائف العليا فى وزارة الدّاخليّة 
للرّئيس أو ابقائها لرئيس الحكومة هذا علاوة على استحداث وظيفة عليا سمّيت برئيس الإستخبارات العامّة دون تحديد لملامح المؤسّسة من حيث النفوذ و الصّلوحيّات.
5/ السّلط المحلية والجهويّة وسلطة الأقاليم المنتخبين و التى ينبثق عنها المجلس الاعلى للسّلط المحلّية  يكتنفه الكثير من الغموض من حيث بيان مدى استقلاليّة هذه السّلط تجاه السّلطة المركزيّة إذ يصرّح أحد الفصول أنّها تخضع للإشراف اللاّحق هذا إضافة لعدم التّنصيص عن الآليّات التى تسمح بتكوين مواردها الجبائيّة باقتطاع نسب من الثروات الطّبيعيّة المستخرجة و هنا إحالة لقضيّة الحوض المنجمى.
المجلس الأعلى للسّلط المحلّيّة هو سلطة أصيلة و منتخبة و لا يبدوا أن الدّستور أولاها 
مشاركة حقيقيّة فى قرارات السّلطة التّشريعيّة و التنفيذيّة تحقيقا لمبدأ الدّيمقراطيّة المباشرة هذا مع عدم التّنصيص على تشريك الأفراد بصفتهم الفرديّة دون غيرهم من الأحزاب التى ستستأثر ضرورة بالسّلطة التّشريعيّة و التّنفيذيّة .
6/ أشكاليّة الطّوارئ و الحالات الأستثنائيّة و التّمديد و ملأ الفراغات الدستوريّة غير محدّدة المعالم بما يكفل تماسك أجهزة الدّولة